السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

185

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

وكانوا عارفين ما يتلى عليهم لأنهم يصغون لكلامه بكليتهم ليحفظوه عنه ، وهم يعرفون كراهية الأصنام من حال الرّسول وذمّه لها وتحقيرها وأهلها ، فلا تخطر ببالهم ، وهذا أحسن ما قيل في هذا الباب وأصدقه وأحقه . وما قيل إنه صلّى اللّه عليه وسلم نطق بتلك الكلمات سهوا أو خطأ أو نسيانا أو أنه تمنى أن ينزل عليه مدح آلهتهم فممتنع قطعا وحاشاه من ذلك ، وساحته براء مما هنالك ، ولا يوجد دليل أو أمّارة يميل إليها الفطن أو برهان أو إشارة ينحاز إليهما الفكر ، لأنه عليه الصّلاة والسّلام معصوم ومنزه عن أن يقول أو يخطر بباله أو يتصور بخياله شيئا من ذلك ولا يتقول بهذا القول ويزعم وقوعه منه إلّا منافق زنديق كافر ، ولا ينقل هذه الترهات إلّا من لا نصيب له من الهداية ، ولا يصغي إلى هذه الخزعبلات إلّا أهل الشكوك الّذين في قلوبهم مرض ، إذ لم يرد نقل أو خبر أو سند صحيح أو ضعيف أو غريب بذلك ليطمئن أو يركن إليها أو رواية يمكن أن يستند لها أصلا ، ويدلك على اختلافها اختلاف الرّوايات . ومباينة الأقوال ومناقضة الأخبار وضعف ناقليها واضطراب رواتها وانقطاع أسنادها وتضارب عباراتها وتلفيق ألفاظها بصورة لا تقبل التأويل ولا التأليف أبدا ، وهذا كاف لردّها وإنكارها . هذا وما قاله بعض العلماء بأن هذه الآيات الأربع نزلت بين مكة والمدينة بعيد عن الثبوت إذ لا مناسبة بينهما وبين ما وقع في الطّريق أثناء الهجرة ، وكذلك لا يصح القول بأنها نزلت يوم بدر لأنه لا يجوز أن يقول اللّه تعالى ( وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) الآية المارة ، لأنه من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر كما أن ما جاء في تفسير بعض المفسرين بأن هذه السّورة مكية عدا الآيات الخمس 12 و 13 و 40 و 41 و 78 والآيات من 20 إلى 25 غير سديد لأن الحج لم يفرض بمكة والحوادث المشيرة إليها بعض الآيات منها لم تقع في مكة ، ومن المعلوم أن كل ما نزل بعد الهجرة يسمى مدنيا ، كما أن كلّ ما نزل قبلها يسمى مكيا . واعلم أن السّبب الدّاعي لعدّها مكية بدؤها بيا أيها النّاس ، وتكرار هذه اللّفظة بها أربع مرات ، وإن هذه من مميزات المكي على المدني على أننا أشرنا في المقدمة بان المكي لا يوجد فيه يا أيها الّذين آمنوا البتة ، والمدني لا يخلو من لفظ يا أيها النّاس ،